السبت، 13 أبريل 2013

مستر اند مسز عويس- من الأرشيف



لماذا تُصنع هذه الأفلام ؟؟
تأليف: كريم فهمي
إخراج : اكرم فريد
بطولة : حمادة هلال- بشرى
إنتاج: نيو سنشري
مدة الفيلم : 100ق

من المعروف أنه لا يوجد فن هادف وفن غير هادف ولكن يوجد فن جيد وفن ردئ والفن الجيد يصنع من أجل تلبية احتياج مجتمعي وحضاري في وقت فترة زمنية ما, اما الفن الردئ فهو اشبه بتجارة الممنوعات, مكسبها كبير ومضمون لكنها تدمر المجتمع وتسحق وعيه, وإذا كانت السينما تخاطب الوجدان فالأفلام الرديئة تعبث به وتسطحه وتجعله غير صالح للشعور او الفهم وتهبط بذائقته للحد الأدنى.
والحكم على الفيلم بالردائة لا ينبع من كون فكرته مكررة أو مقتبسة او معالجة بطريقة خائبة بل هي امور مجتمعة ربما تلوح من بينها عناصر جيدة ولكن العملة السيئة تطرد العملة الجيدة ولهذا فإن  "عويس"هو فيلم ملئ بالعملات السينمائية السيئة التي تطرد اي مساهمة جيدة من قبل العناصر الأخرى.
الفكرة هي خيط من تيمة ترويض الشرسة المعروفة مع بعض التغيرات الغير منطقية, فعويس المغني الشهير يقرر الزواج من فتاة صعيدية خام لمجرد أنه رأي كيف يعامل صديقه إدوارد زوجته كخادمه, وهو تبرير ملفق وساذج وعنصري ايضا ولا علاقة بينه وبين كونه دخل في مغامرات نسائية كثيرة فأصبح يشك في النساء مثل محمد فوزي في"فاطمة وماريكا وراشيل"او فؤاد المهندس في"هارب من الزواج", فلا علاقة بين الرغبة في الحصول على زوجة مخلصة وبين كونها مطيعة وخادمة للرجل, وكان الأوقع ان تكون زوجة ريفية لا صعيدية, لأن اهل الصعيد اكثر صلابة وعنف من اهل الريف, ولكن السيناريو يريد ان يلعب على فكرة الخط الصعيدي الشهيرة رغم أن لديه واقع حالي يتحدث عن بلطجة مستمرة في الوجه البحري والقبلي ولا حاجة للعودة لفكرة الخط, انه اختيار من يقتبس من السينما القديمة ولا يحاول الألتفات حوله ليستلهم من المجتمع.
الخط هو الفتاة التي يتزوجها المطرب المرفه صاحب نبرة الصوت المخنثة والرقة الزائدة وهي التي تعيش القرية بسببها في رعب, لماذا ؟ لا أحد يدري! وهي نفسها تقول لعويس في النهاية انها بدأت في تخويف القرية لأنها كانت قرية ظالمة ثم انصلح حالها, اي من أجل تبرير الجرائم التي ارتكبتها اصبح للبلطجة معنى اخلاقي! وبالطبع لم يفلح السيناريو في اشعارنا انها روبين هود على سبيل المثال(اللص الشريف)ولكن صناع هذه الأفلام عادة ما يتجاوزون عن التفاصيل المنطقية بحجة انه فيلم هزلي خفيف لن يضر أحدا ولن يفيد ايضا.
ونفاجأ بقرار الخط بخطف السفير الأسرائيلي وهو ايضا امر غير منطقي على الاطلاق ولا يبرره المشهد السخيف بين بشرى في دور الخط وتتيانا في دور الصديقة الشامية التي قتل اخاها على يد الأسرائيلين , بل ان تكوين شخصية الفتاة التي تحب ان يعاملها الجميع كرجل كان اقرب لخطف شخص له علاقة بقضية المرأة المقهورة او ما شابه ولكنها متاجرة فاشلة بموضوع العدو الأسرائيلي ولا هدف من ورائها سوى تحرك قوات الامن للقبض على الخط رغم أنها كان من الممكن ان تتحرك لمجرد تهديده للقرية.
الغريب ان لا احد يعلم أن الخط امرأة ورغم ذلك نجدها تهرب وتخبئ مع زوجها ومساعدتها الصغيرة "جنا" التي هي جزء من تركيبة افلام العيد مثل كل الاطفال في السينما المصرية مؤخرا فيجب أن يحتوي الفيلم على طفل كي يضمن جلب من هم في شريحته العمرية للسينما وتقليده عقب المغادرة وهو اخطر ما في استخدام الاطفال داخل الافلام, فهناك جهل شديد بطبيعة تأثر الطفل المشاهد بالطفل الممثل خاصة عندما تقول الصغيرة جنا لعويس وهو يهم بالنوم جنبها(مش خايف لتضعف)وهي جملة غير مفهومة للاطفال في سنها وشرحها معقد ولا تقولها إلا فتاة تعيش في بيئة منحرفة وشاذة, فهل هذا النموذج يصلح كعنصر يجذب الاطفال للفيلم!!
نعود للنمرة التي تروض من خلال الاصابة واعتناء زوجها الدلوع بها وعمله في الفاعل وهو فعل غير درامي ايضا, لانه مطرب شهير وغني وغير محكوم عليه بالأختباء وبالتالي من السهل ان يصطحب زوجته التي لا يعلم أحد انها الخط إلى أي مكان! او يقوم بالصرف عليها من ماله بدلا من الكليب الخائب له وهو يعمل كراعي غنم, والغريب أن الأغنية المصاحبة تمجد من قيمة العمل وتجعل المطرب يعيد اكتشاف ذاته وهو ما يحط من شأن الفن, لاننا نعلم انه مطرب ناجح وجيد وله ثلاث اغنيات-في الفيلم-فلماذا هذه المقارنة الدونية بين العمل البدني والعمل الفني؟ ربما لو كان المطرب فاشلا ويقدم اغنيات حقيرة لقلنا حسنا يمكن أن نتجاوز عن هذا اما طرح الغناء كتخنث ورعي الغنم كرجولة فهو امر غير مقبول.
اميز ما في السيناريو هي الشخصيات الثانوية فالشخصيات الرئيسية نمطية وغير واضحة الابعاد او مبررة الأفعال أما الثانوية فهي الاحق بالمتابعة وعلى رأسها الضابط المجنون"فريد النقراشي" المهووس بالقتل والذي يضطر رئيسه في الداخلية"احمد راتب"إلى تهدئته كل فترة بقرص مهدئ كي يتزن ثم ييأس منه فيودعه مستشفى الامراض العقلية, كذلك عم عويس"محمد متولي"صاحب النصف شنب والذي لا يفتأ يوبخ ويشتم خال العروس الصعيدية لا لشئ سوى لتنفيس طبقيته المهدورة, والمأذون"محمد شرف"الذي يصر ان"عويس"اسمه(مرقص)ويعاني من شبق ذكوري تجاه اي امراة حتى لو كانت"عويس"متخفيا, ولو ان الشخصيات الرئيسية جاءت على مستوى رسم الشخصيات الثانوية لأختلف الأمر ولو قليلا ولكنها العملات السيئة.
اكرم فريد مخرج كوميدي متمكن ازمته هو اختياره لسيناريوهات فاسدة دراميا وقد اثبت أمكانياته في فيلم وحيد"عائلة ميكي"ولو قارناه بعلي ادريس مخرج"بابا"وهو من إنتاج نفس الشركة لوجدنا ان اكرم يعرف كيف يبرز الأفيه سواء بتحضير الكادر المناسب قبله او اختيار زاوية الكاميرا الانسب لشرحه, صحيح أن الأفهيات متخلفة وكلها استظراف لكننا نتحدث عن التكنيك فسواء كان الأفيه بصري او لفظي تجد اكرم يهتم بابرازه من انسب زاوية وبتتابع مونتاجي جيد اما محتوى الأفيه فهو صفر بالطبع وهو ما يعني أنه كمخرج يهدر طاقته بشكل مسئ.
كان من الممكن ان يقدم دور الفتاة الصعيدية أي ممثلة أخرى وهذا معناه أن بشرى لم تقدم أي شئ خاص للشخصية, ومن المعروف أنها تمثل فقط في افلام شركة نيوسنشري التي كانت تشرف على الانتاج فيها وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول امكانياتها! خصوصا أن فيلمها الاخير جدو حبيبي فشل فشلا ذريعا ولولا دورها في"ستة سبعة تمانية"لما بقى لها رصيد لدى الجمهور.


عن يهود مصر- المقال الكامل



ليس فيلما عن مصر زمان..بل عن الأن

سيناريو وإخراج: امير رمسيس
إنتاج: هيثم الخميسي- أمير رمسيس
مدة الفيلم: 95 ق
النوع: تسجيلي

تقول المونتيرة روزاليندا ديلمر مونتيرة الفيلم الشهير"الارض الأسبانية"الذي كتبه هيمنجواي"أن السينما التسجيلية لا تستهدف كشف الحقائق وإنما دعوة المتلقي إلى المشاركة" أي ان صانع الفيلم التسجيلي لا يقف دوره عند حدود تقديم بعض المعلومات والامور المجهولة بالنسبة للمتلقي ولكنه كلما استطاع أن يجعله متورط ذهنيا ونفسيا في البحث عما وراء ما شاهده على الشاشة كلما كان فيلمه اكثر قوة وعمقا وتأثيرا.
في فيلمه التسجيلي"عن يهود مصر" يحاول امير رمسيس أن يتخذ هذا الموقف"التسجيلي" من احد اكثر العناصر التاريخية حساسية في تاريخ مصر الحديث وهي فكرة"التعددية وتقبل الأخر" وذلك عبر موتيفة سياسية وتاريخية شديدة الألتباس والخطورة وهي"اليهود المصريين".
اسم الفيلم"عن يهود مصر"وليس(يهود مصر)كما هو شائع لأن عن هنا تفيد تجزئة الرؤية أو عرض وجهة نظر فهو لا يتحدث عن"كل"يهود مصر كما يدل العنوان المجرد ولكن عن"بعض"ما يخص تاريخ اليهود في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين, وذلك للخروج من هذا المثال السينمائي بما يمكن أعتباره رسالة أو اسقاط واضح على دعاوي رفض الأخر-المختلف في الدين-التي اصبحت جزء اساسي من الخطاب اليميني والسلفي في المجتمع المصري ما بعد ثورة يناير وربما ما قبلها ايضا.
نحن لسنا امام مجرد مادة تسجيلية تحكي جانبا من المسكوت عنه في التاريخ السياسي أو حتى الاجتماعي المصري ونعني به وجود اليهود كجزء من نسيج المجتمع ما قبل حركة الجيش 1952 ولكننا امام اعادة بناء مشهد تاريخي لا يزال حيا في الذاكرة حول مجتمع يمارس التعددية الدينية والسياسية والاجتماعية بدون امراض عنصرية أو فهم خاطئ لمفاهيم الليبرالية والعلمانية وبقدر كبير من الشفافية والمصالح الأيجابية والتقبل النفسي والانساني الذي كان يجعله بالفعل مجتمع متحضر وراق, وهو نفس ما يجعل ذات المجتمع عقب نصف قرن او يزيد بغياب تلك العناصر الهامة مجتمع متخلف ومتطرف وعنصري يتخذ من النظرة الضيقة للدين – والسياسة- تاريخا بديلا يبدأ بالامس فقط وكأن ما كان لم يكن او كأنه عصر من الجاهلية وما قبل الفتح"الديني أو السياسي".
يقسم امير فيلمه إلى اربعه اقسام القسم الأول هو عرض سريع موجز لطبيعة التواجد اليهودي في مصر خلال القرنين الاخيرين وحتى قيام حركة الجيش وبداية الصراع العربي الأسرائيلي وهو ما يأتي في شكل لقاءات مع عدد من المؤرخين والمهتمين, ثم ينتقل إلى شهادات حية من اليهود المصريين سواء الذين هاجروا بعد حرب السويس او في بداية الستينيات او الذين بقوا واصروا على"مصريتهم", ويتعامل امير مع هؤلاء بصريا خلال الفيلم بأستخدام اسلوب البورترية حتى انه مونتاجيا يقوم بتثبت الكادر على الشخصية"اليهودية" التي تتحدث عن نفسها وتاريخها وعلاقتها بمصر وكأنه يلتقط لها صورة فوتغرافية وقد افاته هذه التقنية في صياغة هارموني بصري مع كم الصور الفوتغرافية التي تمثل البدن البصري الحقيقي للفيلم أو المعادل التصويري لما يقال من شهادات وحكايات ومعلومات عن موضوع الفيلم.
ثم يعقب هذا الجزء بالحديث عن التاريخ خاصة فيما يتعلق ببداية ازمة الصراع العربي الأسرائيلي وجذوره وتأثيره على وضع اليهود في مصر قبل وبعد حركة الجيش ويعرج على اضافة بورتريهات تاريخية عن أهم الشخصيات اليهودية التي كان لها اثر هام في تاريخ الحركة"الوطنية" المصرية.
ولا ننسى الجزء الخاص بسفر الخروج أو كيف خرج اليهود من مصر, فحسب شهادات"الخارجين"انفسهم او ابنائهم فإن التحول السياسي الذي شهدته مصر بعد حركة الجيش والذي اتسم نتيجة الظروف التاريخية لظهورالكيان الصهيوني بكثير من العنصرية والشوفونية وقصر النظر والتشدد هو السبب الرئيسي في"موت" جزء حضاري حي في النسيج المصري ولا نقصد به اليهود ولكن فكرة قبول الآخر-المختلف دينيا وسياسيا-وهو في رأيي الجزء الذي يمثل الذروة الحقيقية للطرح الفكري والسياسي والأنساني للفيلم من الناحية الدرامية البحتة, وهو ذاته الجزء الذي يعيدنا إلى الفرضية التي طرحناها في البداية, أن المخرج يذهب إلى مثال شديد التطرف-والقوة- لمواجهة افكار ورؤى ظلامية هي الأخرى متطرفة وحانقة على كل ما هو متنور وحضاري, ولكنه تطرف محمود من قبل هذا السينمائي الشاب, انه ليس فيلما عن التاريخ بل عن الواقع, المحتقن فقط هو من سيظن أن الحديث عن رؤس الاموال اليهودية المصرية ومشاركة اليهود المصريين في الحركة الوطنية ورفضهم للصهيونية وعن حنين من خروجوا لبلد المنشأ وعن امنيات العودة المستحيلة أو رفض المغادرة إلا بالموت-المحتقن من سيظن-ان الفيلم يحتوى على دعاوي"تطبيع"أو دعوة للسلام العالمي أو مغازلة للغرب"اليهوي"-نسبة إلى يهوه آله اليهود- ولكن المادة الفيلمية في تداعيها واسلوبها واختيارتها تعكس قلق على مجتمع تفشت فيه العنصرية والتطرف والعبوس في وجه الآخر من غير اهل الملة.
أن المخرج يقارن بين ما حدث عقب حركة الجيش 52 وبين ما يحدث عقب ثورة 25 يناير ليس على المستوى السياسي ولكن على المستوى الحضاري والاجتماعي فالسياسة عام 52 هي الدين عام 2011 واليهود ما بعد يوليو قد يكونوا المسيحيين او الليبراليين او العلمانين ما بعد يناير ولهذا كان من الذكاء والجرأة أن يستعرض المخرج جانبا من تاريخ الاخوان مع اليهود المصريين قبل 52 وبعد قيام الكيان الصهيوني مستشهدا بالوقائع التاريخية المتمثلة في جرائد تلك الفترة وصور من واقع حرق حارة اليهود وتدمير المتاجر الكبرى لليهود المصريين الذي لم يكن لهم اي علاقة بما حدث في فلسطين واختيار الاخوان ليس تشهيرا بهم ولكنه ربط فني وتاريخي بين حقبتين تجمعهم صفات مشتركة وتلميح درامي إلى الواقع الحالي بتداعياته سواء على الساحة السياسية او في الشارع المصري نفسه.
نتصور ان بعد المتابعة المكثف للجمهور المصري للقنوات الفضائية خلال العامين الأخيرين سوف تجعل من اسلوب الفيلم وجبة سهلة التناول في دور العرض وهي اكبر انجاز يحققه صناعه, صحيح أن بعض النقاد يصنف مثل هذا الأسلوب على انه سينما الكراسي أي ان جزء كبير من شهاداته واراء ضيوفه تأتي عبر جلوسهم امام الكاميرا على الكراسي للحديث والبوح ولكن لا ننسى أنه إنتاج مستقل لا تقف ورائه أمكانيات مالية ضخمة تتيح اسلوب بصري وسردي مختلف يخرج به من نطاق البرامجية الضيق إلى افق السينمائية الواسع.

     


 

السبت، 17 نوفمبر 2012

فيلم : الخروج للنهار

 كيف الخروج إلى النهار؟
 

قراة في فيلم "الخروج للنهار" للمخرجة هالة لطفي


لا يمكن اغفال ان فيلم المخرجة المصرية"هالة لطفي"واحد من أهم افلام مسابقة آفاق جديدة التي شهدتها فعاليات الدورة السادسة لمهرجان ابو ظبي السينمائي(11-20 اكتوبر) وذلك من اصل 13 فيلما هم حصيلة البرنامج المتميز هذا العام, كانت هالة قد حصلت على منحة سند من مهرجان ابو ظبي قبل عامين وعكفت على الأنتهاء من مشروعها الروائي الطويل الأول لتحصد به جائزة افضل مخرج من العالم العربي وتنويه من لجنة تحكيم الفيبريسي"الاتحاد الدولي للنقاد".
في المشهد قبل الاخير الذي يعتبر ذروة الفيلم الحقيقية, تنظر البطلة سعاد إلى احد المقامات الصغيرة المقامة وسط المقابر التي تطل على عين الصيرة, المقام يبدو غارقا في المياه الجوفيه على اتساع الحوش وفوق صفحة المياه تنعكس صورة السماء والمقام, وتبدو السماء والأرض كأنهما متطابقتين كصورة واحدة وانعاكسها على مرآة.
ان تطابق السماء والأرض في هذا المشهد يمثل ذروة المآساة التي تعيشها بطلة الفيلم حيث ندرك في تلك اللحظة ان تلك الأسرة الصغيرة المنسحقة داخل مدينة ميتة كالقاهرة ليس لها مكان على الأرض بمفهومها المعنوي الواسع وربما لن تجد لها مكانا في السماء ايضا فالعذاب واحد والموت لا يعني النهاية فها هي السماء والأرض تنعكسان في تطابق بصري كامل.
سعاد شابة في بداية الثلاثينات تعيش مع والدها المريض المقعد ووالدتها عاملة المستشفى التي تبدو كأنها مومياء او جثة ميتة تمشي على الأرض, تتحرك ببطء وتتحدث ببطء ووجهها المتغضن الكئيب لا يفصح سوى عن نظرات ميتة, انها تؤنب سعاد دوما بنظراتها كأنها تحملها مسؤلية المرض والكآبة التي تعيش فيهم الأسرة, في حين أن الفتاة الشابة العجفاء جافة الشعر والبدن تبذل قصارى جهدها من اجل رعاية الأب وتمريضه.
عبر مشاهد يتوازي فيها الزمن الفيلمي مع الزمن الواقعي نتابع نهار سعاد منذ ان تستيقظ إلى ان تخرج في المساء للقاء شاب يبدو انها على علاقة به, ونقول يبدو ليس لأنه لا يظهر ولكن لان العلاقة في حد ذاتها تبدو سرابا لا تصل إليه سعاد, ولا تمنحنا المخرجة تأكيدا على انه متحقق كقصة حب ام مجرد امل مستحيل في ظل وضع اسري جحيمي.
تعتمد المخرجة على سيناريو بلا حبكة تقريبا, الحبكة موجودة تحت جلد السرد, التفاصيل تمثل حبكات صغيرة تصب كلها في حالة نهائية لا تتخذ من دراما البداية والوسط والنهاية شكلا لها.
داخل المنزل نتابع عبر كاميرا خشنة وكادرات شديدة الجفاف على مستوى التكوينات او الضوء كيف تمرض سعاد ابيها, كيف تغير ملابسه وتطعمه وتفرغ فضلاته, نتورط تماما في نهارها الكئيب والذي تؤديه بميكانيكية كأن تاريخها ومستقبلها يتلخص في تلك التفاصيل.
الشقة قديمة واسعة لكنها تبدو ضيقة من أثر الكآبة المعششة والتي اجاد مدير التصوير محمود لطفي مراكمة الظلال والخفوت في اركانها, تبدو الأضاءة في الفيلم واقعية اكثر مما يحتمل الواقع ذاته, ورغم ذلك لا تخفى علينا تفاصيل الشقة, المطبخ المصري بشخصيته المميزة بداية من مساحته الضيقة واكوام المواعين وعلبة الأيس كريم التي توضع فيها سفنجة الغسيل.
مطبخ يختصر تاريخ الأسرة وواقعها كله في مشهد واحد تقوم فيه الام بغسل الأواني ومحاولة ترويق المكان نتيجة انشغال الأبنة الدائم بالأب او كنوع من تحمليها الذنب لانها سوف تخرج لتزور صديقة لها بينما الأم تريد ان تستريح وتترك الأب في رعاية الأبنة ليستمر في تعذيبها الصامت بمرضه.
ورغم خشونة التفاصيل والأضاءة واستخدام لقطات قريبة ومتوسطة للأب في مرضه وتكلس عظامه وتقرح جسده, إلا أن هالة تنجح في تفجير ما يعرف بجماليات القبح في الصورة, زخم الصورة وطبيعة اضائتها في اغلب مشاهد الشقة تجعلها رغم ذلك لوحات حزينة لواقع مرير ليس فقط على المستوى المادي ولكن معنويا ونفسيا.
شريط الصوت خال تماما من اي موسيقى تصويرية, تتعامل المخرجة دوجمائيا مع شريط الصوت وطبيعة الأضاء في الصورة, شريط الصوت متفرغ تماما للأصوات الطبيعية سواء من داخل الشقة او خارجها, الموسيقى تأتي فقط من كوبليهات الأغاني التي تستمع إليها الشخصيات, عبد الوهاب الذي يؤنس وحدة سعاد ويهون عليها ساعات الانتظار حتى لقاء الحبيب الحاضر الغائب, وام كلثوم في لحظة صفاء بين جثتين هما الأب والأم حين تحاول ان تمارس بعض المشاعر الرقيقة مع زوجها الراقد ينتظر المغادرة إلى لا مكان.
اصوات الشارع والسيارات والهواء انها المدينة حاضرة اصواتها او كما يقول"روبير بيرسون" ان صفير قاطرة يستدعى إلى الذهن محطات قطار كاملة, تتخذ المدينة ابعادها الشكلية والملامحية عبر اصواتها في الفيلم وحتى في النهاية بعد ان يظلم كل شئ تنزل التيترات على صمت كامل بلا الحان ولا جمل معزوفة.
تذهب سعاد للقاء حبيبها فلا تتمكن من ذلك, يبدو انه يتهرب منها فتقرر زيارة صديقة لها, لا نرى الزيارة, ولا ندري ان كانت تمت ام لا, الموتى لا يتزاورون, وسعاد تحى ميتة شكلا وموضوعا, لا توجد حقائق مطلقة في السيناريو ولا احكام نهائية كالمدينة التي تعيش فيها الشخصيات, من داخل الشقة يبدة كل شئ في الخارج غائم"فلو" وعندما تتضح الصورة قليلا نراه عشوائيا قبيحا مكأنه اكوام من بيوت متهدمة فوق بعضها وكأن حال الأسرة هو حال المدينة.
كل شئ غائم وغير اكيد, الفتاة التي تقابلها سعاد في الميكروباص وتفرد لها المخرجة زمنا لا بأس به لتحكي لسعاد حكاياتها مع العفريت الذي يتلبسها ثم تطلب منها نقودا من اجل اكمال مشوارها لا ندري هل هي نصابة ام مصابة بمس من الجنون؟ وسائق الميكروباص الليلي الذي يبدو بلطجي الملامح والتصرفات لا ندري هل كان ينوي خطف سعاد بعد ان بقيت بمفردها في العربة ام انه كان بالفعل يدخل من شوارع جانبية للهروب من لجنة مرور؟
الحقيقية غائبة واليقين هارب, تعرف سعاد من امها ان اباها في المستشفى وتحاول قضاء الليلة هناك فلا تتمكن, تحاول العودة إلى البيت فيتركها السائق الغريب الأطوار في الظلام على جانب الطريق, تجلس إلى عين الصيرة وتبدو متكورة في بحثها المعذب عن شاطئ أمن لنفسها وافكارها وحياتها التي تمضي بلا معنى او هدف.
في الصباح تنظر إلى المقابر والمقام الغارق في المياه الجوفية ينتابها خاطر لا تفصح عنه سوى لأمها عندما تعود للبيت( هو احنا حندفن بابا فين؟)
ينتهي الفيلم على هذا السؤال الوجودي المطلق: اين ستكون النهاية؟ هل لنا مكان في السماء بعد ان ضاقت بنا الأرض؟ ان اسرة سعاد لا تملك مدفنا وبمنطق المصريين القدماء من ليس له مدفنا ليس له مكان في العالم الأخر.
تستخدم هالة لغة بصرية مكثفة جدا لدرجة تستعيض بها عن  الحوار او الحكي التقليدي, الشكل هنا يتطابق مع الحبكة والراوي في نفس الوقت, قروح ظهر الأب تحكي تاريخ مرضه الطويل, ذهاب سعاد إلى كوافير حريمي بائس يعكس مستواها المادي والانثوي الخامل, ملايات الفراش البيضاء التي تحضرها الام من المستشفى تعكس تردي وضع الأسرة الأقتصادي, الرجل الوحيد الذي يظهر في حياة سعاد هو ابن خالتها الممصوص القادم في زيارة سريعة بأفرول الجيش, بينما الرجل الأخر مجرد رنة موبيل تجيب عليها سعاد بيأس وقهر.
ان السؤال الذي يطرحه هذا القصيد السينمائي الرقيق اذا ما كان يطرح سؤالا فسيكون: كيف الخروج إلى النهار؟ فالزمن الفيلمي هو يوم واحد تقريبا لكنه يبدو اختصارا لحقبة حياتية كاملة في تاريخ هذه الأسرة اما النهار فرغم ان الشبابيك مفتوحة والضوء يدخل لكن حجم الكآبة والتعب في النفوس يجعل من هذا الضوء مجرد حلية شكلية فليس دخول الضوء معناه اننا نرى او نعيش الحياة.



السبت، 28 يوليو 2012

"العذراء والأقباط وأنا" : الدين حقا افيون الشعوب





دراسة تحليلية للفيلم الفائز بالجائزة الكبرى لمهرجان الأسماعيلية الدولي ال 15

استطاع فيلم"العذراء والأقباط وأنا" للمخرج المصري الأصل "نمير عبد المسيح" أن يحصد عدة جوائز بالدورة الخامسة عشرة لمهرجان الأسماعيلية الدولي(23-28 يونيو/2012) والتي كان اهمها الجائزة الكبرى لأحسن فيلم تسجيلي طويل, وكان الفيلم قد حقق اقبالا وتجاوبا كبيرا من جمهور المهرجان عندما عرض في اليوم الأول.
بوستر الفيلم
في البداية يمكن أن نربط بين هذا الفيلم وبين"ثلاثية الطريق إلى الله"التي عرضت في افتتاح المهرجان وذلك من زاوية الحديث عن علاقة المصريين بالدين وعن محاولة البحث والتفسير الأنثربولوجي لوجود هذا الوازع الديني الكبير والعميق لدى المصريين, فالطريق إلى الله يتحدث بشكل او بأخر عن كون مصر احد المهاد الهامة لفكرة الدين من قبل نزول الديانات السماوية وأن الدين لم يكن منفصلا عن السياسية وعالم الأسرار العليا طوال حكم الفراعنة وما بعده وان اشهر التيمات الدينية كتيمة العذراء والمسيح موجودة في المثيولوجيا الفرعونية متجسدة في اسطورة ايزيس وحورس.
وقد كان الكهنة يحتكرون لسنوات طويلة الأسرار الألهية العليا ومن هنا جاء الصدام الشهير بينهم وبين اخناتون عندما أطلق اشهر دعوة توحيد في عصر الحضارات الانسانية الأولى لأن جزء من دعوته كانت الخروج بالدين من حكر الكهنة إلى عموم الناس بعد أن كان مصدر تنفذ للطبقات الكهنوتية على الشعب.
ومع اختلاف الأجيال وبدون اي مقارنات جانبية تظل قضية علاقة المصريين بالدين أحد اخطر وأهم القضايا التي شغلت السينمائيين الجادين طويلا خاصة مع تحول الدين لاحد التابوهات الثلاثة الرئيسية إلى جانب الجنس والسياسة.
مشهد من الفيلم
فيلم"العذراء والأقباط وأنا"ليس فيلما عن الدين ولا يبحث وراء قضية دينية ولكنه فيلم سياسي ذو ملامح انثربولوجية هامة تجسد قضية سياسية ومجتمعية خطيرة تخص المجتمع المصري والعربي على حد سواء وهي انه كيف من السهل استغلال الوازع الديني لدى الشعوب من اجل اغراض سياسية ايا كان هدفها.
من هنا يمكن أن نعتبر هذا الفيلم دراسة حالة هامة من مخرج مهموم بقضايا وطنه حتى لو كان غير مقيم, فالوطن في النهاية قيمة اكبر من المكان وأكثر شمولية ودلالة من الموقع الجغرافي, واعتبار"نمير عبد المسيح"مجرد مخرج مغترب قادم من فرنسا كي يسخر من أهل قريته الصعيدية ويثبت لهم أن ظهور العذراء خرافة هو اعتقاد سطحي جدا معناه نفي الجهد الفكري والسينمائي والنفسي الذي بذله هذا الشاب في مواجة ما قد يعتبره البعض هرطقه وخرق لثوابت الدين المسيحي.



الأم /العذراء
المخرج نمير عبد المسيح
ثمة مفتاح رئيسي لقراءة الشكل السردي الذي قدمه المخرج والذي يتبدل ما بين شكل البحث/التحقيق المصور وبين الاثبات العملي لوجهة النظر الفكرية وراء التجربة, هذا المفتاح هو علاقة نمير بأمه,  فنحن امام شاب في ديانة تقدس الأم وتعتبرها أحد الأيقونات الدينية ودائما ما تذكرنا هذه العلاقة ما بين الشخصية الرئيسية والام بعلاقة المسيح بأمه ورحلة نمير في البحث خلف ظهور العذراء واكتشافه حجم القدرة الهائلة لتأثير الدين على المصريين بدأت من حديث له مع امه بخصوص ظاهرة تجلي العذراء وايمان الأم المطلق بهذا وتأثرها الشديد به في مقابل شكوك نمير وتساؤلاته العلمانية في ظاهرها والسياسية في مغزاها وباطنها.
وتعتبر علاقة المخرج بأمه التي تتحول إلى شخصية رئيسية من شخصيات الفيلم احد الخطوط الهامة التي يدعم بها الفيلم عملية السرد, فالام في البداية هي مصدر الفكرة التي تراود المخرج ثم تتحول إلى أحد اطراف الصراع الفكري والنفسي اي(خصم) للمخرج/البطل في رحلة البحث خلف الظاهرة, حتى اننا نراها في احد المشاهد تلومه وتوبخه وتحذره من الذهاب إلى قريتها في الصعيد لتصوير اهلها البسطاء كي لا يعايرها أحد ببساطة اصلها, بعد ان غادرت إلى فرنسا مع زوجها وابنها.
ثم يتغير موقف الأم, اولا بحكم ايمانها بأبنها ورغبتها في مساعدته ومن ناحية محاولة منها لتقويم افكاره وخوفا عليه من التورط في اي هرطقات بسبب علمانيته الواضحة .
وشخصية الأم شكلت فارقا كبيرا في حجم العفوية والطرافة اللذان اتسم بهم الفيلم خاصة في الفصل الخاص بعملية اعداد مشهد تجلي العذراء والذي يصر نمير على استخدام اهل قرية امه لتصويره على اعتبار انهم عينة الحالة البحثية التي اتخذها لطرح تساؤلاته حول مدى تأثر المصريين بالوازع الديني وسهولة التأثير عليهم من خلاله.

الأقباط /المصريين
من المعروف في علم اللغة أن كلمة قبط مشتقة في الأصل من كلمة"ايجبتوس"وهو الأصل اللاتيني لكلمة مصر"ايجيبت"وكان مصطلح الأقباط يعني المصريين اي انه لم يقتصر فقط على معتنقي الديانة المسيحية منهم ولكن مع التحولات الأجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر منذ عصر الفتح الأسلامي اصبحت دلالة الكلمة مقتصرة على المصريين المسيحيين فقط.
ايقونة 
نستطيع هنا ان نقرأ عنوان الفيلم على اعتبار أنه يتحدث بشكل اكثر شمولية من فكرة تناول ظاهرة تخص المجتمع المسيحي في مصر وهي"الظهورات" (الجمع العامي لكلمة ظهور والذي يعني ظهور العذراء)خاصة اذا ما اتخذناه من زاوية قراءة تأثير استغلال الخطاب الديني على المجتمع المصري اي ان العنوان يصبح (العذراء والمصريين وأنا)
نتصور أن هذا الفيلم من خلال بناءه العفوي والتصاعدي في نفس الوقت قد تشكل داخل رأس نمير اثناء عملية التصوير والبحث ذاتها وليس قبلها فبعد أن يفشل نمير في القاهرة في العثور على اي دليل"مادي"ملموس لتجلي العذراء منطلقا من الحادثة الشهيرة عام68 يقرر السفر إلى الصعيد لتعميق البحث والعودة للجذور ومن المعروف أن نسبة الأقباط في الصعيد أكبر منها في الوجه البحري كما يعتبر المصريين الأقباط هم امتداد العرق القبطي/الفرعوني/المصري الذي امتد بعد الفتح الأسلامي لمصر.

68 لماذا ؟؟
التصور السابق لفكرة التصاعد العفوي للفيلم تدعمه النقطة التي انطلق منها نمير وهي الظهور الأشهر للعذراء عام 68 بالقاهرة وذلك بعد نكسة يونيو 67 حيث كانت الدولة الناصرية تبحث عن عناصر يمكن أن تلهي الناس وتوحدهم في نفس الوقت, وتعيد لهم الأيمان بأنفسهم ووطنهم المهزوم ايمانا منها بأن الدين افيون الشعوب وان المصريين شعب عاطفي دينيا وان شعر بأن"السماء" تدعمه وتتجلى له يمكن أن يقاوم حالة الأنكسار والكفر بكل شئ التي حدثت عقب نكسة يونيو وقد حدث بالتوازي مع مسألة الظهور الشهيرة أن اشاع البعض أن شعرات من ذقن الرسول قد ظهرت لبعض الأشخاص الذين ختموا القرآن مرات عديدة.
إذن يمكن أن نجزم بأن إنطلاق نمير من ظهور عام68 هو أحد الأسباب الرئيسية التي دعته إلى التفكير في الذهاب للصعيد حيث التأثر الديني اكبر لأن عناصر كثيرة ممن تسيطر على الشعب المصري عامة وتجعله اسير الأفكار الدينية تتجلى بشكل كبير في الصعيد حيث الأمية والفقر وتواضع المستويات التعليمية وغياب عناصر المدينة الحديثة فالصعيد في النهاية ليس القاهرة.
ويبدأ"نمير"زيارته للصعيد بلقاء مع شاب يقوم بدق وشم العذراء على ذراعه وتسجل الكاميرا عملية دق الوشم قبل اللقاء وهي تفصيلة اخراجية وبصرية جيدة واثبات ضمني لما سوف يتم تفصيله بعد ذلك في لقاء الشاب حيث نراه يتحدث بوجد شديد عن ان انه اراد دق وشم العذراء على جسده لتصبح جزء منه فهو يشعر بها قريبة من روحه وأنها ترعاه وتقوده, ثم يكشف لنا الشاب عن ذراعه الأخر لنراه قد دق عليه وشم للشهيد ماري جرجس وعندما يسأله نمير عن سر هذا الوشم يقول له انه يشعر برغبة في ان يصبح شهيدا ذات يوم مثل الشهيد ماري جرجس الذي عذب وقتل سبع مرات ثم بعث من جديد, هنا تتقاطع بشدة ودون تدخل من المخرج علاقة العاطفة الدينية بالاسطور الشعبية والتي تصب في الوجدان الجمعي للمصريين وبنظرة أوسع فأننا نجد أن التوحد الشعوري مع ماري جرجس لا فرق بينه وبين التوسل إلى الله بسيد شباب أهل الجنة "الشهيد الحسين"عند المسلمين المصريين رغم أن أكثرهم من السنة فالفيلم يتحدث في النهاية عن "المصريين"كما سبق واشرنا.

  البحث عن العذراء
يستغرق الفيلم في فصله قبل الأخير في عملية استعراض عدد من نماذج اهل القرية الصعيدية خاصة بعد انضمام الأم إلى ابنها في محاولة البحث وتحقيق الهدف الذي نتصور أن الأم نفسها لم تكن مدركة له بشكل كامل.
 يعتبر استعراض الشخصيات في الفيلم من خلال اللقاءت المباشرة أو تصوير الجلسات الليلية بينهم هو جزء من دراسة الحالة وتوريط المتلقي شعوريا معهم, وفهم حقيقي لطبيعة الشخصية المصرية التي تتسم بالطرافة والذكاء الشعوري والعفوية, وليس في طرافة التعليقات او هزلية الشخصيات ما يمكن اعتباره سخرية منهم ولكنه تحليل نفسية للنماذج محور الدراسة والتي سوف تكتمل بأقناعهم بتمثيل مشهد ظهور العذراء.
وعملية تصوير البحث عن فتاة شابة من أهل القرية لتمثيل ظهور العذراء هو عنصر تأصيلي لفكرة تاثر المصريين بالوزاع الديني وكما الشاب الذي يدق العذراء وشما على جسده ثمة الفتاة التي ترى في نفسها العذراء او تشعر بتجلي العذراء فيها رغم انها بعيدة كل البعد في الشبة والأيحاء بالعذاء, وهنا ايضا نقطة هامة فمشهد تتابع لقطات الفتيات التي تتخذ وضعية العذراء امام الكاميرا في "الكاستينج" الخاص بمشهد الظهور ورغم ما تثيره من ضحكات إلا أن ثمة كوميديا سوداء تنحي الطرافة تدريجيا من ذهن المتلقي وتجعله يفكر:لماذا تشعر هؤلاء الفتيات بأنهم حقا يصلحن لتمثيل شخصية العذراء اليس هذا جزء من سيطرة العاطفة الدينية عليهم!!

الأيهام والأقناع
يستخدم نمير خبرته كمخرج في عملية اثبات وجهة نظره من خلال قراره بإعادة تمثيل مشهد العذراء انها الذروة التي يسعى إليها والتي سوف تثبت وجهة نظره لقد بحث عن دليل مادي ولم يجد فقرر أن يخلقه  لا لأثباته ولا لنفيه ولكن للوصول إلى القناعة التي تتأكد بداخله كلما توغل في عملية البحث والتصوير.
يستخدم نمير كل اساليب السينما المستقلة والفقيرة في صناعة مشهد العذراء واعتبار بدائية الأدوات والأساليب هي جزء من فقر الإنتاج او محدوديته هي نظرة سطحية لفلسفة الفيلم, لقد اصر نمير على تصوير كواليس عملية تصوير المشهد بكل طرافتها وبدائيتها واصر على ان يصور لنا تكنيكات تحميل الصورة على الكرومة /الخلفية وقام بتوريط واشراك كل من اتيح له من اهل القرية وتوريطنا ايضا في تساؤل قوي يدفعنا نحو الذروة بالكثير من الشك والريبة! فإلى ماذا يريد هذا المخرج أن يصل بنا ؟
لقد شرح نمير بصريا واخراجيا لنا وللمشاركين معه في تمثيل المشهد كل التفاصيل التقنية حتى يعرف الجميع أن ما يشاركون فيه هو ما يسمى بالأيهام السينمائي وأنه متاح للجميع لو توفرت الحدود الدنيا من التقنيات مجرد شاشة خضراء وكاميرا وبعض معدات الأضاءة وجهاز كومبيوتر حديث نسبيا.
بل أنه من المشاهد الهامة في هذا الفصل-الأخير- أن اهالي القرية من المشاركين في تمثيل المشهد يقومون بأنفسهم برفع الفتاة التي تمثل دور العذراء وتتقمص دورها, أن هذا المشهد الساخر اعمق بكثر من ظاهره فهؤلاء هم الذين يشاركون في عملية صناعة"الأيقونة"الدينية وهم من يعودون للتأثر بها والأنسياق وراء من يتاجر بأسمها.
وذروة هذه المشهد القوي هو الصدفة الفنية التي حدثت, فالفتاة التي تقوم بدور العذراء تطلب منهم التوقف عن رفعها/صناعتها لأن الجلباب الذي ترتديه قد تمزق من الخلف, ليضج الجميع بالضحك, لقد تحطمت قدسية الأيقونة بتعليق ساخر صنع منه المخرج ذروة فكرية ودرامية هامة سوف تؤسس للذروة الكبرى.
ينتهي نمير من تصوير المشهد وفي لقطة شديدة القوة نجد الكاميرا بعد نهاية التصوير تنتقل بحركة بان لليسار بين نمير الواقف في ضوء قوي فوق سطح البيت الذي يتم التصوير فيه والكل ينظر نحوه من اسفل إلى خيال نمير على الحائط , وهي لقطة متعددة الدلالات أولها أن نمير يصبت أن صناعة الوهم والخيال ممكنة وان التأثير الحاصل من ورائها قوي وحقيقي, ثانيها يمكن أن نعتبره اشارة منه أن ما يمجده هؤلاء الأشخاص من خلال حكايات الظهورات والتجلي وغيرها مجرد خيال لا لأن الرمز الديني غير حقيقي ولكن لأن الدين ورموزه ليسوا بهذا البساطة وفي رأينا أن نمير لا يلغي حدوث المعجزة ولكنه يشكك دوما في توقيت ظهورها واسبابه !
وثالث الدلالات هو فكرة انسياق الوجدان الجمعي لحالة الأيهام التي يمكن أن تمارس عليه نتيجة ضعف خلفيته الثقافية والحضارية والعلمية على حد سواء وحتى خلفيته الدينية فالمعلومات الدينية المتوفرة لدى مجموعة الأفراد في القرية والذين يمثلون عينة عشوائية تدل على ضعف المرجعية الدينية لديهم واكتفائهم لمظاهر سطحية وقشور دينية وذلك وجدان نمير يصور المواكب الدينية"المسيحية" ويلتقي مع افراد عاديين لكنهم يؤمنون بأسطورية الدين أكثر من تعاليمه وتفاصيله وأحكامه.
في مشهد الذروة وعندما يتم عرض(تجلي العذراء)الذي صوره نمير مستعينا بأهل قرية أمه, "تتجلي" فكرة الفيلم الأساسية ونتيجته التي وصل إليها المخرج, فنرى من خلال استعراض وجوه اهل القرية المشاركين في صناعة الفيلم مدى تأثرهم بمشهد(الظهور السينمائي)الذي شاركوا هم انفسهم في صناعته الكاميرا تستعرض وجوه الجميع وهم ينظرون بأنشداه حقيقي وتصديق لما يحدث وكأنهم يرون أحد(الظهورات الأعجازية)التي سمعوا عنها كثيرا, لقد صدقوا الظهور واقتنعوا به رغم أنهم شاركوا في صناعته بأنفسهم وضحكوا منه ولكن وقت أن عرض عليهم وتطابق مع افكارهم وتخيالاتهم عنه نسوا أنهم هم أنفسهم من صنعوه, وتأثروا به.
في المشهد الاخير نشاهد نمير يغادر القرية مع أمه بعد أن اثبت لنا وجهة نظره لكننا نرى اللقطة من وجهة نظر تمثال العذراء الذي وضع فوق سطح البيت الذي صور فيه من أجل المشهد, وتقديم هذا المشهد من وجهة نظر التمثال/العذراء يشير لأن المخرج لم يكن يريد نفي الأيقونة الدينية ولا الدخول في جدل علماني حول ظهورها من عدمه أن بقاء التمثال واتخاذ وجهة نظره(وكأنه شخص حي)معناه أن الايقونة باقية وحقيقية وأن الأيمان بها متاح للجميع فهذا لم يكن ما يعني المخرج ولكنه تحدث عن كيفية استغلال الرمز الديني في التأثير على الشعوب نتيجة طبيعة العاطفة الدينية لديهم.

العفوية التسجيلية
يعد الفيلم نموذج لما يمكن أن نطلق عليه"العفوية التسجيلية"سواء على مستوى التصاعد"الدرامي"والفكري للاحداث والتفاصيل التي تتراكم وتطرح تساؤلات او على المستوى البصري الذي اعتمد على الكاميرا المحمولة المتنقلة دون الأفراط في حركتها التي يمكن أن تنفي الطابع التأملي والذهني لتفاصيل الفيلم, ان فكرة الرحلة التي خاضها المخرج من فرنسا للقاهرة للصعيد تبدو متجلية في طبيعة استخدام الكاميرا المحمولة لأيهام المتلقي طوال الوقت أن المسألة عفوية فالقاءات وان بدا بعضها مرتبا إلا أن طبيعة تكوينها وتصويرها بدت عفو الخاطر ووليدة اللحظة مثل لقاء نمير بأهل قريته وهو يركب سيارة مكشوفة أو في مشهد ذهابه لمنزل جدته لأمه وكسر نمير للأيهام طوال الوقت هو جزء اساسي من الاطار الفكري للفيلم فنحن في النهاية امام حالة كسر ايهام عامة تخص عنصر انثربولوجي هام في المجتمع المصري وطبيعي أن يتحد الشكل والمضمون اذا ما كانت الفكرة جيدة والأسلوب اصيل وغير مفتعل.